أحمد بن علي القلقشندي
269
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ومن الناس من يجوز عليهم شعراء كأنها الخاز باز قال في « المثل السائر » : وهذا البيت من مضحكات الأشعار وهو من جملة البرسام الذي ذكره في قوله : إن بعضا من القريض هذاء ليس شيئا وبعضه أحكام فيه ما يجلب البراعة والفهم وفيه ما يجلب البرسام وعدّ منه في « المثل السائر » قول البحتريّ : وجوه حسّادك مسودّة أم صبغت بعدي بالزّاج ؟ قال : فلفظة الزاج من أشدّ ألفاظ العامة ابتذالا ، وكذلك عدّ منه قول النابغة الذّبيانيّ : أو دمية في مرمر مرفوعة بنيت بآجرّ يشاد بقرمد قال فلفظة آجرّ مبتذلة جدّا . وإذا شئت أن تعلم شيئا من سرّ الفصاحة التي تضمنها القرآن الكريم ، فانظر إلى هذا الموضع فإنه لما جيء فيه بذكر الآجرّ لم يذكر بلفظه ، ولا بلفظ القرمد أيضا ، ولا بلفظ الطَّوب الذي هو لغة أهل مصر ، فإن هذه الأسماء مبتذلة ، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر ، وهو قوله تعالى : * ( وقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً ) * ( 1 ) فعبر عن الآجرّ بالوقود على الطين ؛ نعم من الألفاظ المبتذلة السخيفة لفظة الكنس ، وما اشتق منه ، ولذلك عابها القاضي الفاضل رحمه اللَّه تعالى على ابن سناء الملك ( 2 ) في بعض أشعاره حيث قال من أبيات : يزخرف منها وجهها فهو جنّة ويخضرّ منها نضرة فهو سندس
--> ( 1 ) سورة القصص / 38 . ( 2 ) هو هبة اللَّه بن جعفر بن سناء الملك ؛ شاعر من النبلاء ، ولاه الملك الكامل ديوان الجيش بمصر سنة 606 ه . توفي سنة 608 ه . ( الأعلام 8 / 71 ) .